السيد محمد باقر الداماد ( الميرداماد )
49
نبراس الضياء وتسواء السواء
زمان نبيّ ودور كلّ صاحب ملّة وشريعة ؛ إنّ شبهات امّته في آخر زمانه ناشئة من شبهات خصماء أوّل زمانه من الكفّار والمنافقين - وأكثرها من المنافقين - وإن خفى علينا ذلك في الأمم السالفة لتمادي الزمان ؛ فلم يخف من هذه الامّة أنّ شبهاتها كلّها نشأت من شبهات منافقي زمن النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - إذ لم يرضوا بحكمه فيما كان يأمر وينهى ؛ وشرعوا فيما لا مشرع فيه للفكر ولا مسرى ، وسألوا عمّا منعوا من الخوض فيه والسؤال عنه ، وجادلوا بالباطل فيما لا يجوز الجدال فيه ؛ فهذا ما كان في زمانه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - وهو على شوكته وقوّته وصحّة بدنه ؛ والمنافقون يخادعون ، فيظهرون الإسلام ويبطنون النفاق ، وإنّما يظهر نفاقهم في كل وقت بالاعتراض على حركات النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله - وسكناته ، فصارت الاعتراضات كالبذور ، وظهرت منها الشبهات كالزوع ؛ فاوّل تنازع وقع في مرضه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - فيما رواه الإمام [ الف - 28 ] أبو عبد اللّه محمّد بن إسماعيل البخاريّ بإسناده عن عبد اللّه بن عبّاس - رضى اللّه عنه - قال : لمّا اشتدّ بالنبيّ مرضه الّذي توفّى فيه ، قال : ائتوني بدوات وقرطاس « 1 » ، أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعدي ، فقال عمر : إنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قد « 2 » غلبه الوجع ، حسبنا كتاب اللّه وكثر اللغط ، فقال النبيّ - صلّى اللّه عليه وآله وسلّم - قوموا عنّي لا ينبغي عندي التنازع . قال ابن عباس : الرزيّة كلّ الرزيّة ما حال بيننا وبين كتاب رسول اللّه « 3 » . » انتهى كلامه بألفاظه « 4 » . وفي كلام إمامهم الآمدي أعلى مضاهاة « 5 » ذلك . ونحن نقول : إنّ من تلك الاعتراضات والشبهات ما في صحيحي البخاري ومسلم وسائر صحاحهم وأصولهم بما
--> ( 1 ) - في البخاري : ائتوني بكتاب . ( 2 ) - « قد » ليس في أصل المصدر . ( 3 ) - راجع : « الصحيح » للبخاري ، كتاب العلم ، باب كتابة العلم ، ج 1 / 120 ح 112 وكتاب المرضى والعلل ، باب قول المريض ج 7 / 225 ح 574 . وأيضا انظر : « السبعة من السلف » ، ص 49 - 56 بمصادر عديدة . ( 4 ) - « الملل والنحل » ، ج 1 / 20 . ( 5 ) - المضاهاة : المشاكلة والمشابهة .